>

[مقالة] فيسبوك الأصمعي ..!!

فيسبوك الأصمعي
إذا نظرنا نظرة إلى العالم اليومَ؛ نجد الثقافة والفكر قد تغيرت مصادرهما ومواردهما، وانتقلت مَظَانُّهما من كتاب يؤنس، وشيخ يؤسس، إلى منشوراتٍ وتغريدات... تتناقلها المنابر الافتراضية، وتصدح بها أفنان لم نر لها أوراقا نَضِرة، ولم نشم لها روائح عطرة؛ حتى تبلغ الآفاق.
ولست أقصد في هذه السطور إلى تعداد مناقب هذه الشبكة الاجتماعية وبيان فوائدها ومضارها فذاك مأرب آخر؛ وإنما أبغي أن أهمس في أذن الحاضر الجديد همسة من عمق الماضي التليد.



فيسبوك الأصمعي ..!!
إذا نظرنا نظرة إلى العالم اليومَ؛ نجد الثقافة والفكر قد تغيرت مصادرهما ومواردهما، وانتقلت مَظَانُّهما من كتاب يؤنس، وشيخ يؤسس، إلى منشوراتٍ وتغريدات... تتناقلها المنابر الافتراضية، وتصدح بها أفنان لم نر لها أوراقا نَضِرة، ولم نشم لها روائح عطرة؛ حتى تبلغ الآفاق.
وإن من الأشياء التي فعلت فعلها اليوم، ووصلت بين الناس، مُشرِّقهم ومغربهم، عربهم وعجمهم "الفيسبوك"، الدولة الافتراضية التي نيفت على مليار مرتاد، متوسلا في فعله ذاك بكل منشور مكتوب ومصور ومسموع، ومشاركة وتعليق وإشارة، وجدار لبناته الحروف والمشاهد، ودعوات إلى الأحداث، وغير ذلك كثير...
ولست أقصد في هذه السطور إلى تعداد مناقب هذه الشبكة الاجتماعية وبيان فوائدها ومضارها فذاك مأرب آخر؛ وإنما أبغي أن أهمس في أذن الحاضر الجديد همسة من عمق الماضي التليد.
روى محمد بن أحمد الأبشيهي في مجموعه الأدبي "المستطرف في كل فن مستظرف" خبرا عن الأصمعي، يقول: ’’ وحكى الأصمعي: قال: بينما أنا أسير في البادية إذ مررت بجدار مكتوب عليه هذا البيت:
أيا معشر العشاق بالله خبروا ::: إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع
فكتبت تحته:
يداري هواه ثم يكتم سره ::: ويخشع في كل الأمور ويخضع
ثم عدت في اليوم الثاني فوجدت مكتوباً تحته:
فكيف يداري والهوى قاتل الفتى ::: وفي كل يوم قلبه يتقطع
فكتبت تحته:
إذا لم يجد صبراً لكتمان سره ::: فليس له شيء سوى الموت أنفع
ثم عدت في اليوم الثالث فوجدت شاباً ملقى تحت ذلك الجدار ميتاً لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! ! وقد كتب قبل موته:
سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا ::: سلامي على من كان للوصل يمنع ’’
أليست هذه المساجلة الأصمعية حاملة لكل سمات "فسبكات اليوم" –مع البون الشاسع- بل وتفوقها واقعية وحسا وذوقا، بلى؛ جدار كجداره، وتعليقات كتعليقاته "فكتبت تحته"، ودعوة إلى المشاركة والنشر "فبلغوا ..." وصورة موضحة، بل ومؤلمة !  "فوجدت شابا ملقى.."
وكثيرة نظائر هذه المقطعات في أدبنا العربي الأصيل، ولكن التهافت الاعمى على كل وافد تحول دون الارتشاف من رحيقه، والارتواء من معينه.

عن المقالة

كاتبها: السعيد بن أحمد وعزوز

  الفن:  تقنية،أدبالتاريخ: 23ذو القعدة 433 / 10 اكتوبر 2012| المكان:ادويران، شيشاوة، المغرب


0 التعليقات:

جميع الحقوق محفوظة مدونة السعيد وعزوز           تعريب مدونة البلوقر